الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

388

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

هناك من ناقش في ذلك مما ذكر مضافا إلى أن عدة من تلك الآيات قد وردت في مقام الاحتجاج الظاهر في عموم الحكم أو استظهار كون اللام في الآية الأولى للعهد نظرا إلى تقدم ذكر الظن أولا على وجه التنكير مرادا به الظن المتعلق بالأصول وقد تقرر عندهم كون النكرة المعادة معرفة عين الأول فتعيين اللام للعهد موهون جدا وسياق الآية كالصريح في خلافه وورودها في مقام الاحتجاج ظاهر جدا في إرادة العموم كما يعرف ذلك من ملاحظة نظائرها كما إذا قلت فلان قتل مؤمنا متعمدا وأن من قتل المؤمن متعمدا كان مخلدا في العذاب وفلان وفلان أعان ظالما ومن أعان الظالم سلطه الله عليه إلى غير ذلك وهو ظاهر والحاصل أن الظاهر عرفا عن الآية الشريفة هو إرادة الاستغراق أو الجنس الراجع إليه دون العهد والاحتجاج المذكور مبني على الظاهر وقيام الاحتمال المرجوح لا يهدم الاستدلال بالظواهر ومنها أن مفاد هذه الروايات لا تزيد على الظن فلا يجوز الاستناد إليها في المقام أما أولا فلأن هذه المسألة من عمدة مسائل الأصول فلا يصح الاتكال فيها على مجرد الظن وأما ثانيا فلأن قضية ظاهرها عدم حجية ظواهرها فلو صح العمل بتلك الظواهر لم يصح العمل بها وما يستلزم وجوده عدمه فهو باطل ويدفعهما أن الظن الحاصل من ظاهر الكتاب من الظنون التي دل القاطع على حجيتها فلا مانع من الاتكال عليها والقول بعدم جواز الاستناد إلى الظن في المسائل الأصولية ولو من الظنون المفروضة من الأغلاط كما مر الكلام فيها مرارا وقضاء ظاهرها بعدم حجية ظاهرها إنما يمنع من الاتكال عليها لو لم يقم دليل على استثناء ظواهرها من الظاهر المذكور وأما بعد قيام الدليل عليه كما هو مبنى الاحتجاج المذكور فلا مانع فيه أصلا ومع الغض عن ذلك نقول إن مفاد الظنون المذكورة عدم حجية الظن فلو كان الظن حجة لم يكن حجة فليس المقصود من الاحتجاج بتلك الظواهر الاتكال على الظن الحاصل منها في عدم حجية الظن حتى يرد أنه إذا لم يصح الاتكال على الظن لم يصح الاتكال على الظن في ذلك أيضا بل المقصود أنه لما قضى الدليل الظني بعدم حجية الظن قضى ثبوت الحجية بعدمها وما قضى وجوده بعدمه فهو باطل وقد يقال حينئذ إن المدعى حجية الظن في الفروع وما دل على عدم حجية الظن فإنما هو في مسألة أصولية فلا يقضي القول بحجيتها عدمها وفيه أنه يرجع الأمر إلى ذلك في الفروع إذ ما له إلى الظن بعدم ثبوت الحكم الفرعي في شأننا من جهة الظن فلو كان الظن المتعلق بالفروع حجة لم يكن الظن بها حجة فتأمل ومنها أن الظن المذكور في الآيات الشريفة لا يراد به العلم الراجح بل هو مرادف للتردد والشك والتخمين وضعفه ظاهر إذ لا داعي لحمل الظن على ذلك مع بعده عن ظاهر اللفظ في العرف واللغة والتزام التخصيص فيه لو حمل على معناه الظاهر نظرا إلى حجية ظنون خاصة قطعا بخلاف ما لو حمل على ذلك لا يقضي بالحمل عليه لوضوح ترجيح التخصيص مضافا إلى لزوم التخصيص مع الحمل عليه أيضا لجواز العمل في بعض صور الشك في الواقع كما إذا لم يفد البينة ظنا بالواقع أو لم يحصل من الاستصحاب ظن ومنها أن مفاد هذه الآيات عدم حجية الظن من حيث هو وأما إذا قام الدليل القاطع على حجيته فليس الاتكال على الظن بل على القاطع الذي دل على الأخذ بمقتضاه ومفاد هذه الآيات هو ما دل عليه العقل من عدم جواز الاتكال على مجرد الظن على حسب ما بيناه سابقا وحينئذ فلا ترتبط بالمدعى فإن من يقول بحجية مطلق الظن إنما يقول به من جهة قيام الدليل عليه كذلك فمفاد هذه الآيات مما اتفق عليه القائلون بالظنون الخاصة والقائل بحجية مطلق الظن إلا أن القائل بحجية مطلق الظن إنما يقول به بعد إقامة الدليل عليه كذلك كالقائل بحجية الظنون الخاصة فلا دلالة في هذه الآيات على إبطال شيء من الأمرين ومنها أن هذه الآيات عمومات وما دل على حجية ظن المجتهد ظن خاص قد قام الدليل القاطع على حجيته فلا بد من تخصيص تلك العمومات وفي هذين الوجهين ما سيأتي الإشارة إليه إن شاء الله تعالى وهناك إيرادات أخر على خصوص بعض تلك الآيات منها ما أورد على الآية الأولى من أن المراد بالحق الثابت المعلوم فالمقصود أن المعلوم الثابت لا يترك بالمظنون إذ الظن لا يغني عنه حتى يترك لأجله وهو حينئذ مما لا كلام فيه ولا يفيد عدم جواز التمسك بالظن مطلقا وفيه أنه خلاف ما يستفاد من ظاهر الآية فإن الظاهر أن المراد بالحق هو الأمر الثابت في الواقع والمراد بعدم إغناء الظن عنه عدم كونه طريقا موصلا كافيا في الحكم به وقد فسره بذلك الرازي في تفسيره أو أنه يراد به العلم أي أن الظن لا يغني من العلم شيئا ولا يقوم مقامه وقد فسره الطبرسي به في المجمع وعلى كل من الوجهين يفيد المقصود ومنها ما قد يورد على الآية الثانية من أن الظن هناك بمقتضى ظاهر الآية على حصرهم الأمر في اتباع الظن فغاية الأمر أن يدل الآية على لزوم تحصيل العلم في بعض المسائل وعدم جواز الاقتصار على الظن في الجميع ولا كلام لأحد فيه وفيه أن الظاهر سياق الآية هو الذم على اتباع الظن مطلقا وحملها على إرادة الحصر الحقيقي لا يخلو عن بعد بل قد يقطع بفساده وعلى فرض حملها عليه فليس الذم واردا على خصوص الانحصار فيه بل ظاهر السياق كون أصل الذم على اتباع الظن وإن كان انحصر الأمر فيه أشنع كما تقول في مقام الذم لا يشغل فلان إلا بالعصيان فإنه يفيد شناعة أصل العصيان كما لا يخفى ومنها ما قد يورد على الآية الثالثة من أنه لا عموم فيها حتى يشمل جميع الظنون غاية الأمر دلالتها على عدم حجية بعض الظنون أو عدم حجية الظن مطلقا في بعض الأشياء ولا كلام فيه وأيضا أقصى ما يستفاد من الآية عدم جواز إسناد الحكم إليه تعالى على سبيل الجزم مع حصول الظن به وأما إذا أبرز الحكم على سبيل الظن كما هو الواقع فلا دلالة فيها على المنع من العمل به ويدفع الأول أن في الإطلاق كفاية في المقام سيما مع إشعاره بالغلبة بل ودلالته فيها والثاني أنه لو جاز الإفتاء على سبيل الظن جاز الحكم على وجه البت أيضا من غير تأمل لأحد فيه فإذا دلت الآية على المنع به دلت على المنع من الإفتاء رأسا ومع المنع من الإفتاء مطلقا لا يجوز العمل به إذ لا قائل بالفرق ومنها ما يورد على الآية الأخيرة وهو من وجوه أحدها أنها خطاب النبي صلى اللَّه عليه وآله فلا يعم غيره ومن البين أنه مكلف بالعمل بالوحي ولا يجوز له الأخذ بالظن نعم فيها دلالة على بطلان قول من يجوز عليه الاجتهاد وقد يجاب عنها تارة بأن ما دل على وجوب التأسي قاض بجريان الحكم بالنسبة إلى أمته أيضا كيف والأصل الاشتراك في التكاليف إلا أن يعلم اختصاصه به ولذا حصرت خواصه في أمور معينة وأخرى بأنه لا تأمل لأحد في شمول الحكم المذكور للأمة إما لأن الخطاب إليه خطاب لأمته في الحقيقة حسبما هو متداول